مجد الدين ابن الأثير
97
المختار من مناقب الأخيار
وقال أبو الجويرية : سمعت حماد بن أبي سليمان ، ومحارب بن دثار ، وعون بن عبد اللّه ، وصحبت أبا حنيفة فما كان في القوم رجل أحسن ليلا من أبي حنيفة . لقد صحبته أشهرا فما منها ليلة وضع فيها جنبه . وقال زائدة : صلّيت مع أبي حنيفة في مسجده عشاء الآخرة ، وخرج الناس ، ولم يعلم أنّي في المسجد ، وأردت أن أسأله عن مسألة من حيث لا يراني أحد ، فقام ، فقرأ وقد افتتح الصلاة حتى بلغ إلى هذه الآية فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ [ الطور : 27 ] ، فأقمت في المسجد أنتظر فراغه ، فلم يزل يردّدها حتى أذّن المؤذّن لصلاة الفجر « 1 » . وقال يزيد بن الكميت - وكان من خيار الناس - : كان أبو حنيفة شديد الخوف من اللّه . فقرأ بنا عليّ بن الحسين المؤذّن ليلة في عشاء الآخرة إِذا زُلْزِلَتِ وأبو حنيفة خلفه ، فلمّا قضى الصلاة ، وخرج الناس ، نظرت إلى أبي حنيفة ، وهو جالس يتفكّر ، ويتنفّس ، فقلت : أقوم لا يشتغل قلبه بي ، فلما خرجت تركت القنديل ، ولم يكن فيه إلّا زيت قليل . فجئت وقد طلع الفجر ، وهو قائم قد أخذ بلحيته ، وهو يقول : يا من يجزي بمثقال ذرّة خير خيرا ، ويا من يجزي بمثقال ذرّة شرّ شرّا ، أجر عبدك النّعمان من النار ، وما يقرّب إليها من السّوء ، وأدخله في سعة رحمتك . قال : فأذّنت ، فإذا القنديل يزهر ، وهو قائم ، فلمّا دخلت قال لي : تريد أن تأخذ القنديل ؟ قلت : قد أذّنت لصلاة الغداة . قال : اكتم عليّ ما رأيت . وركع ركعتي الفجر ، وجلس حتى أقمت الصلاة ، وصلّى معنا الغداة على وضوء أوّل الليل « 1 » . وقال القاسم بن معن : إنّ أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ القمر : 46 ] ، يردّدها ، ويبكي ، ويتضرّع « 1 » . وقال عليّ بن حفص البزّار : كان حفص بن عبد الرحمن شريك أبي
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 357 .